شوقي ضيف

174

المدارس النحوية

فلما جلس قال له : كيف تقول « خرجت فإذا زيد قائم » فنطق بها سيبويه ، فقال له الكسائي : أيجوز : « فإذا زيد قائما » فقال سيبويه : لا ، لأن العرب الفصحاء الذين أخذ عنهم هو وأستاذه الخليل لا ينطقون مثل « قائما » في هذا المثال ونحوه إلا مرفوعة ، وفي القرآن الكريم ( فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ ) * ( فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ ) أي على أن ما بعد إذا في هذه الأمثلة مبتدأ وخبر مرفوعان . وأظهر الكسائي تعجبه من رفضه لنصب كلمة « قائم » وقال : فلنرجع إلى من يحضرنا من العرب ، وكانوا من عرب الحطمة كما ذكرنا ، وسألهم : كيف تقولون : « قد كنت أحسب أن العقرب أشد لسعة من الزّنبور فإذا الزنبور إياها » فقال نفر منهم : « فإذا الزنبور هي » وقال آخرون « فإذا الزنبور إياها » . ويبالغ رواة هذه المناظرة ، فيقولون إن سيبويه حصر وأفحم ، وفي رأينا أنه لم يفحم ولم يحصر ، لأنه كان لا يعتدّ بما قد يفد على ألسنة مثل هؤلاء العرب المتحضرين ، مما يخالف استخدام الفصحاء ويشذ على القياس المبنى على استعمالهم وما يدور في ألسنتهم . والمهم أن هذه المناظرة أرست أصلا من أصول المدرسة الكوفية ، وهو الأخذ باللغات الشاذة المخالفة للأقيسة البصرية من جهة وللشائع المتداول على أفواه العرب من جهة ثانية . ومن المؤكد أن هذه المناظرة أقنعت الكسائي بأن ما بيده من النحو وقواعده قليل وأنه ينبغي أن يتزود من نحاة البصرة وعلمهم الغزير ، وتصادف أن توفّى سيبويه عقب المناظرة ، غير أنه علم أن الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة حمل كتابه النفيس عنه ، وأنه يمليه على الطلاب ويدرسه لهم ، وأنه إليه انتهى علم البصرة بالنحو ، ولم تعيه الأسباب في الاتصال به ورواية الكتاب عنه . ووجده يكثر من الخلاف على صاحبه وعلى الخليل مستضيئا بمعرفته الواسعة بلغات العرب ، فاستقر في نفسه أن يتابعه في هذا الاتجاه ، وبذلك أعده الأخفش إعدادا حسنا لكي ينمّى رغبته الملحة في مخالفة النحو البصري مخالفة تقوم على الاتساع في الرواية والقياس ، بل لقد نفذ إلى تأسيس مدرسة نحوية جديدة ، يعينه في ذلك تلاميذه وخاصة الفراء . والحق أن الأخفش لم يبعث هذا الاتجاه في نفسه لأول مرة ، فقد كان